كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



ومن هذه الأمانات- الداخلة في ثنايا ما سبق- أمانة التعامل مع الناس؛ ورد أماناتهم إليهم: أمانة المعاملات والودائع المادية. وأمانة النصيحة للراعي وللرعية. وأمانة القيام على الأطفال الناشئة. وأمانة المحافظة على حرمات الجماعة وأموالها وثغراتها... وسائر ما يجلوه المنهج الرباني من الواجبات والتكاليف في كل مجالي الحياة على وجه الإجمال.. فهذه من الأمانات التي يأمر الله أن تؤدى؛ ويجملها النص هذا الإجمال.
فأما الحكم بالعدل بين الناس فالنص يطلقه هكذا عدلًا شاملًا بين الناس جميعًا. لا عدلًا بين المسلمين بعضهم وبعض فحسب. ولا عدلًا مع أهل الكتاب، دون سائر الناس.. وإنما هو حق لكل إنسان بوصفه إنسانًا. فهذه الصفة- صفة الناس- هي التي يترتب عليها حق العدل في المنهج الرباني. وهذه الصفة يلتقي عليها البشر جميعًا: مؤمنين وكفارًا. أصدقاء وأعداء. سودًا وبيضًا. عربًا وعجمًا. والأمة المسلمة قيمة على الحكم بين الناس بالعدل- متى حكمت في أمرهم- هذا العدل الذي لم تعرفه البشرية قط- في هذه الصورة- إلا على يد الإسلام، وإلا في حكم المسلمين، وإلا في عهد القيادة الإسلامية للبشرية.. والذي افتقدته من قبل ومن بعد هذه القيادة؛ فلم تذق له طعمًا قط، في مثل هذه الصورة الكريمة التي تتاح للناس جميعًا. لأنهم ناس! لا لأية صفة أخرى زائدة عن هذا الأصل الذي يشترك فيه الناس!
وذلك هو أساس الحكم في الإسلام؛ كما أن الأمانة- بكل مدلولاتها- هي أساس الحياة في المجتمع الإسلامي.
والتعقيب على الأمر بأداء الأمانات إلى أهلها؛ والحكم بين الناس بالعدل؛ هو التذكير بأنه من وعظ الله سبحانه وتوجيهه. ونعم ما يعظ الله به ويوجه: {إن الله نعما يعظكم به}.
ونقف لحظة أمام التعبير من ناحية أسلوب الأداء فيه. فالأصل في تركيب الجملة: إنه نعم ما يعظكم الله به.
ولكن التعبير يقدم لفظ الجلالة، فيجعله اسم إن ويجعل نعم ما نعما ومتعلقاتها، في مكان خبر إن بعد حذف الخبر.. ذلك ليوحي بشدة الصلة بين الله سبحانه وهذا الذي يعظهم به.
ثم إنها لم تكن عظة إنما كانت أمرًا.. ولكن التعبير يسميه عظة. لأن العظة أبلغ إلى القلب، وأسرع إلى الوجدان، وأقرب إلى التنفيذ المنبعث عن التطوع والرغبة الحياء!
ثم يجيء التعقيب الأخير في الآية؛ يعلق الأمر بالله ومراقبته وخشيته ورجائه: {إن الله كان سميعًا بصيرًا}.
والتناسق بين المأمور به من التكاليف؛ وهو أداء الأمانات والحكم بالعدل بين الناس؛ وبين كون الله سبحانه: {سميعًا بصيرًا} مناسبة واضحة ولطيفة معًا.. فالله يسمع ويبصر، قضايا العدل وقضايا الأمانة. والعدل كذلك في حاجة إلى الاستماع البصير وإلى حسن التقدير، وإلى مراعاة الملابسات والظواهر، وإلى التعمق فيما وراء الملابسات والظواهر. وأخيرًا فإن الأمر بهما يصدر عن السميع البصير بكل الأمور.
وبعد فالأمانة والعدل.. ما مقياسهما؟ ما منهج تصورهما وتحديدهما وتنفيذهما؟ في كل مجال في الحياة، وفي كل نشاط للحياة؟
أنترك مدلول الأمانة والعدل؛ ووسائل تطبيقها وتحقيقهما إلى عرف الناس واصطلاحهم؟ وإلى ما تحكم به عقولهم- أو أهواؤهم؟
إن للعقل البشري وزنه وقيمته بوصفه أداة من أدوات المعرفة والهداية في الإنسان: هذا حق.. ولكن هذا العقل البشري هو عقل الأفراد والجماعات في بيئة من البيئات، متأثرًا بشتى المؤثرات.. ليس هناك ما يسمى العقل البشري كمدلول مطلق! إنما هناك عقلي وعقلك، وعقل فلان وعلان، وعقول هذه المجموعة من البشر، في مكان ما وفي زمان ما.. وهذه كلها واقعة تحت مؤثرات شتى؛ تميل بها من هنا، وتميل بها من هناك.
ولابد من ميزان ثابت، ترجع إليه هذه العقول الكثيرة؛ فتعرف عنده مدى الخطأ والصواب في أحكامها وتصوراتها. ومدى الشطط والغلو، أو التقصير والقصور في هذه الأحكام والتصورات. وقيمة العقل البشري هنا هو أنه الأداة المهيأة للإنسان، ليعرف بها وزن أحكامه في هذا الميزان.. الميزان الثابت، الذي لا يميل مع الهوى، ولا يتأثر بشتى المؤثرات.
ولا عبرة بما يضعه البشر أنفسهم من موازين.. فقد يكون الخلل في هذه الموازين ذاتها. فتختل جميع القيم.. ما لم يرجع الناس إلى ذلك الميزان الثابت القويم.
والله يضع هذا الميزان للبشر، للأمانة والعدل، ولسائر القيم، وسائر الأحكام، وسائر أوجه النشاط، في كل حقل من حقول الحياة: {يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول. إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر. ذلك خير وأحسن تأويلًا}.
وفي هذا النص القصير يبين الله سبحانه شرط الإيمان وحد الإسلام.
في الوقت الذي يبين فيه قاعدة النظام الأساسي في الجماعة المسلمة؛ وقاعدة الحكم، ومصدر السلطان.. وكلها تبدأ وتنتهي عند التلقي من الله وحده؛ والرجوع إليه فيما لم ينص عليه نصًا، من جزيئات الحياة التي تعرض في حياة الناس على مدى الأجيال؛ مما تختلف فيه العقول والآراء والأفهام.. ليكون هنالك الميزان الثابت، الذي ترجع إليه العقول والآراء والأفهام!
إن الحاكمية لله وحده في حياة البشر- ما جل منها وما دق، وما كبر منها وما صغر- والله قد سن شريعة أودعها قرآنه. وأرسل بها رسولًا يبينها للناس. ولا ينطق عن الهوى. فسنته صلى الله عليه وسلم من ثم شريعة من شريعة الله.
والله واجب الطاعة. ومن خصائص ألوهيته أن يسن الشريعة. فشريعته واجبة التنفيذ. وعلى الذين آمنوا أن يطيعوا الله- ابتداء- وأن يطيعوا الرسول- بما له من هذه الصفة. صفة الرسالة من الله- فطاعته إذن من طاعة الله، الذي أرسله بهذه الشريعة، وببيانها للناس في سنته.. وسنته وقضاؤه- على هذا- جزء من الشريعة واجب النفاذ.. والإيمان يتعلق- وجودًا وعدمًا- بهذه الطاعة وهذا التنفيذ- بنص القرآن: {إن كنم تؤمنون بالله واليوم الآخر}.
فأما أولو الأمر؛ فالنص يعين من هم.
{وأولي الأمر.. منكم..} أي من المؤمنين.. الذين يتحقق فيهم شرط الإيمان وحد الإسلام المبين في الآية.. من طاعة الله وطاعة الرسول؛ وإفراد الله سبحانه بالحاكمية وحق التشريع للناس ابتداء؛ والتلقي منه وحده- فيما نص عليه- والرجوع إليه أيضًا فيما تختلف فيه العقول والأفهام والآراء، مما لم يرد فيه نص؛ لتطبيق المبادئ العامة في النصوص عليه.
والنص يجعل طاعة الله أصلًا؛ وطاعة رسوله أصلًا كذلك- بما أنه مرسل منه- ويجعل طاعة أولي الأمر.. منكم.. تبعًا لطاعة الله وطاعة رسوله. فلا يكرر لفظ الطاعة عند ذكرهم، كما كررها عند ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم ليقرر أن طاعتهم مستمدة من طاعة الله وطاعة رسوله- بعد أن قرر أنهم منكم بقيد الإيمان وشرطه.
وطاعة أولي الأمر.. منكم.. بعد هذه التقريرات كلها، في حدود المعروف المشروع من الله، والذي لم يرد نص بحرمته؛ ولا يكون من المحرم عندما يرد إلى مبادئ شريعته، عند الاختلاف فيه.. والسنة تقرر حدود هذه الطاعة، على وجه الجزم واليقين:
في الصحيحين من حديث الأعمش: «إنما الطاعة في المعروف».
وفيهما من «حديث يحيى القطان: السمع والطاعة على المرء المسلم. فيما أحب أو كره. ما لم يؤمر بمعصية. فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة».
وأخرج مسلم من «حديث أم الحصين: ولو استعمل عليكم عبد. يقودكم بكتاب الله. اسمعوا له وأطيعوا».
بهذا يجعل الإسلام كل فرد أمينًا على شريعة الله وسنة رسوله. أمينًا على إيمانه وهو ودينه. أمينًا على نفسه وعقله. أمينًا على مصيره في الدنيا والآخرة.. ولا يجعله بهيمة في القطيع؛ تزجر من هنا أو من هنا فتسمع وتطيع! فالمنهج واضح، وحدود الطاعة واضحة. والشريعة التي تطاع والسنة التي تتبع واحدة لا تتعدد، ولا تتفرق، ولا يتوه فيها الفرد بين الظنون!
ذلك فيما ورد فيه نص صريح. فأما الذي لم يرد فيه نص. وأما الذي يعرض من المشكلات والأقضية، على مدى الزمان وتطور الحاجات واختلاف البيئات- ولا يكون فيه نص قاطع، أو لا يكون فيه نص على الإطلاق.. مما تختلف في تقديره العقول والآراء والأفهام- فإنه لم يترك كذلك تيهًا. ولم يترك بلا ميزان. ولم يترك بلا منهج للتشريع فيه والتفريع.. ووضع هذا النص القصير، منهج الاجتهاد كله، وحدده بحدوده؛ وأقام الأصل الذي يحكم منهج الاجتهاد أيضًا. {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول}.
ردوه إلى النصوص التي تنطبق عليه ضمنًا. فإن لم توجد النصوص التي تنطبق على هذا النحو، فردوه إلى المبادئ الكلية العامة في منهج الله وشريعته.. وهذه ليست عائمة، ولا فوضى، ولا هي من المجهلات التي تتيه فيها العقول كما يحاول بعض المخادعين أن يقول. وهناك- في هذا الدين- مبادئ أساسية واضحة كل الوضوح، تغطي كل جوانب الحياة الأساسية، وتضع لها سياجًا خرقه لا يخفى على الضمير المسلم المضبوط بميزان هذا الدين.
{إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر}.
تلك الطاعة لله والطاعة للرسول، ولأولي الأمر المؤمنين القائمين على شريعة الله وسنة الرسول.. ورد ما يتنازع فيه إلى الله والرسول.. هذه وتلك شرط الإيمان بالله واليوم الآخر. كما أنها مقتضى الإيمان بالله واليوم الآخر.. فلا يوجد الإيمان ابتداء وهذا الشرط مفقود.. ولا يوجد الإيمان، ثم يتخلف عنه أثره الأكيد.
وبعد أن يضع النص المسألة في هذا الوضع الشرطي، يقدمها مرة أخرى في صورة: العظة والترغيب والتحبيب؛ على نحو ما صنع في الأمر بالأمانة والعدل ثم التحبيب فيها والترغيب: {ذلك خير وأحسن تأويلًا}.
ذلك خير لكم وأحسن مآلًا. خير في الدنيا وخير في الآخرة. وأحسن مآلًا في الدنيا وأحسن مآلًا في الآخرة كذلك.. فليست المسألة أن اتباع هذا المنهج يؤدي إلى رضاء الله وثواب الآخرة- وهو أمر هائل، عظيم- ولكنه كذلك يحقق خير الدنيا وحسن مآل الفرد والجماعة في هذه الحياة القريبة.
إن هذا المنهج معناه: أن يستمتع الإنسان بمزايا منهج يضعه له الله.. الله الصانع الحكيم العليم البصير الخبير.. منهج بريء من جهل الإنسان وهوى الإنسان، وضعف الإنسان، وشهوة الإنسان.
منهج لا محاباة فيه لفرد، ولا لطبقة، ولا لشعب، ولا لجنس، ولا لجيل من البشر على جيل.. لأن الله رب الجميع، ولا تخالجه- سبحانه وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا- شهوة المحاباة لفرد، أو طبقة، أو شعب، أو جنس، أو جيل.
ومنهج من مزاياه، أن صانعه هو صانع هذا الإنسان.. الذي يعلم حقيقة فطرته، والحاجات الحقيقية لهذه الفطرة، كما يعلم منحنيات نفسه ودروبها؛ ووسائل خطابها وإصلاحها، فلا يخبط- سبحانه وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا- في تيه التجارب بحثًا عن منهج يوافق. ولا يكلف البشر ثمن هذه التجارب القاسية، حين يخبطون هم في التيه بلا دليل! وحسبهم أن يجربوا في ميدان الإبداع المادي ما يشاءون، فهو مجال فسيح جد فسيح للعقل البشري. وحسبهم كذلك أن يحاول هذا العقل تطبيق ذلك المنهج؛ ويدرك مواضع القياس والاجتهاد فيما تتنازع فيه العقول.
ومنهج من مزاياه أن صانعه هو صانع هذا الكون، الذي يعيش فيه الإنسان. فهو يضمن للإنسان منهجًا تتلاءم قواعده مع نواميس الكون؛ فلا يروح يعارك هذه النواميس. بل يروح يتعرف إليها، ويصادقها، وينتفع بها.. والمنهج يهديه في هذا كله ويحميه.